الحكيم الترمذي
112
أدب النفس
والصّدّيق يحتسب نفسه ، فلم يزل يقاتل هواه في كل حركة ، حتى قتل الهوى فخلص روحه وقلبه من الهوى ، فهذا غاية الصدق ، فسمى صدّيقا ؛ لأنه لم يبق في نفسه منازع ، فصار البدن كله لربه مبذولا بصدق منه ، لا منازعة للهوى فيه ، فكما صار الصّدّيق عنده في الآخرة حيّا مرزوقا ، صار بالصدق هاهنا في القلب به مرزوقا ، فرحا مستبشرا بما آتاه اللّه من فضله . كما صار الشهيد في الآخرة بعد أن وصل إلى النعمة يشتهى أن يردّ إلى دار الدنيا فيقتل فيه ، فصارت منيته كذلك الصّدّيق ، ماتت شهواته ، فصارت منيته ، ونهمته في ذكره وعبادته ، ومنه قوله تعالى في بعض الكتب : « أيها الصديقون تنعّموا بذكرى ، فإنه لكم في الدنيا نعيم ، وفي الآخرة جزاء » . حدثنا ابن أبي زياد ، قال : حدثثنا سيّار ، عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، رحمه اللّه تعالى ، قال : قرأت في بعض الكتب : « إن سرّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين ، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا ، فإنه من يغلب شهواته الدنيا يفرق الشيطان من ظلّه » .